ابن ميثم البحراني

2

شرح نهج البلاغة

الجهل وعشق هذه الدار وإلفاتها إلى حظائر القدس ومنازل الأبرار وحمايتها أن تردّ موارد الهلاك إذ كانت من ذلك على خطر ، وتشويقها إلى مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وتنبيهها من مراقد الطبيعة ونوم الغافلين بتذكير ما أخذ عليها من العهد القديم « ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنّه لكم عدوّ مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم » ( 1 ) ثمّ ما يلزم ذلك المقصود من تدبير أحوال المعاش البدنيّ وساير أسباب البقاء للنوع الإنساني . وكان إمامنا سيد الوصيّين وأمير المؤمنين ذو الآيات الباهرة والأنوار الظاهرة عليّ بن أبي طالب عليه السّلام في جميع ما ورد عنه من الكلام ، وصدر عنه من الأفعال والأحكام قاصدا لجميع ما تضمّنه الشرع الكريم من الأغراض والمقاصد باسطا لما اشتمل عليه القرآن الحكيم من القوانين والقواعد حتّى لن توجد له كلمة في غير هذا السبيل كما سنبيّن ذلك عن قليل . ونوضحه بالتفصيل فلا جرم كان كلامه الكلام الَّذي عليه مسحة من الكلام الإلهي ، وفيه عبقة من الكلام النبوي . ولم يزل كلامه عليه السّلام مبددا في صدور الرّواة منتشرا في أيدي المهتدين والغواة تحاول أعداؤه أن يخفى مشهورة ويأبى اللَّه إلَّا أن يتمّ نوره إلى أن عضد اللَّه الإسلام بوجود السيّد الإمام الشريف الرضي محمد بن الحسين الموسوي - قدّس اللَّه سرّه ، ونوّر ضريحه - فأحيى من كلام جدّه الزفات ، وجمع منه ما كان في حيّز الشتات ، وبالغ في تدوين محاسنه بقدر الاستطاعة ، وسمّى مجموعه بنهج البلاغة فجاء الاسم وفق المسمّى ، واللفظ طبق المعنى فجزاه اللَّه عن العلماء خير الجزاء ، وحباه من وظائف الفضل أجزل الحباء . ثمّ إنّي لمّا كنت عبدا من عباد اللَّه آتاني رحمة من عنده ، وملَّكني قوّة أسلك بها سبيل قصده ، وكنت قد جعلت هذا الكتاب بعد كتاب اللَّه وكلام رسوله مصباحا أستضيء به في الظلمات ، وسلَّما أعرج به إلى طباق السماوات ، كنت في أثناء وقوفي على شيء من أسراره ، واكتحالي بسواطع أنواره أتأسّف على من يعرض عنه جهلا ، وأتلهّف لواجد له أهلا إلى أن قضت صروف الزمن بمفارقة الأهل والوطن ، وأوجبت تقلَّبات الأيّام دخول دار السلام فوجدتها نزهة للناظر ، وآية للحكيم القادر بانتهاء أحوال

--> ( 1 ) 36 - 60 .